الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
92
مرآة الحقائق
--> - الصدقة في أموالهم . ومن رحمته بعباد اللّه وحسن خلقه مساواة نفسه معهم في حالهم ، ولم يفت الفقراء بشيء من أمر الدنيا فيختص به عنهم ، بل كان رأس الزاهدين فيها امتثالا لرب العالمين ، ورحمة لأمته أجمعين . يروى أن جماعة من أهل الصفة أتوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : « يا رسول اللّه أحرق بطوننا التمر . فسمع بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فصعد المنبر . ثم قال : ما بال أقوام يقولون : أحرق بطوننا التمر ، أما علمتم أن هذا التمر طعام أهل المدينة ؟ وقد واسيناكم بما عندنا ، والذي نفس محمد بيده منذ شهرين لم يرتفع من بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخان للخبز ، وليس لهم إلا الأسودان : التمر والماء » . ومن رحمته عليه السّلام لأمته طلب الألفة بينهم والمؤاخاة لهم قائلا : « لا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد اللّه إخوانا » . ومن آداب من علم أنه عليه السّلام نبيّ الرّحمة أن يكون متخلّقا برحمته وشفقته ، ويعلم أن الرحمة إنما نزعت من قلوب الأشقياء ، وإنما أسكنها اللّه في قلوب الأتقياء . ويروى أن أعرابيّا أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يقبّل أحد أولاده . فقال الأعرابي : « يا محمد إنّ عندي عشرة من أولادي فما قبّلتهم قط ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : وأي شيء أملك لك ، وقد نزع اللّه الرحمة من قلبك ؟ » . فاعلم أيّها المحب المتخلّق بطريقته إن أردت النجاة فكن متخلّقا بالرحمة لأمته ، فارحم صغيرهم ، ووقّر كبيرهم ، وعلّم جاهلهم ، وردّ ضالهم ، وأعط من حرمك منهم ، وصل مقاطعهم ، واغفر لمن أساء منهم ، وسامح ظالمهم ، واستر عورتهم ، ونفّس كربتهم ، وواس فقيرهم ، وتواضع لهم ، وخالطهم فيما تطيّب به قلوبهم ، واقبل كلامهم ، واظهر لهم أنك لم تمتز بشيء عنهم ، وحقّر لهم ما عندك في أعينهم ، وأخبرهم بأنّكم الكلّ عبيد ، واللّه يفعل في ملكه ما يريد ، هذا يغنيه ، وهذا يفقره ، هذا يحييه ، وهذا يميته ، وهذا يعزّه وهذا يذله ، هذا يبكيه ، وهذا يضحكه ، هذا يولّيه ، وهذا يعزله ، هذا يعطيه وهذا يمنعه ، هذا يشقيه ، وهذا يسعده . وإذا امتزت عنهم بشيء من هذه الزهرة الفانية فلتظهر لهم تقلّلها ، وأنها عن قريب تفنى زهرتها ، وأنك لم تحصل منها على طائل بل على ظل زائل ، وأن الفرح إنما هو بفضل اللّه وبرحمته ، عليه يتوكل المتوكلون . قال تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ يونس : 58 ] . ولتكن متشبّها بأخلاق الصحابة الكرام في تخلّقهم مع رعيتهم ورحمتهم بهم ، وشفقتهم عليهم ، ومحبّتهم فيهم للّه تعالى ؛ ابتغاء لثوابه وخوفا من عذابه . -